الحلاج وسياط موت الترهيب والتكفير


الحلاج وسياط موت الترهيب والتكفير




الحلاج هو الشاعر والمتصوّف الفارسي الحسين بن منصور الحلّاج، ولد سنة 857م في مدينة الطور ببلاد فارس، ومات في مدينة بغداد يوم 27 آذار 922م.
بعد نزوح والد الحلّاج إلى العراق، باشر بتحفيظه القرآن، ولم يكن يتجاوز الثانية عشرة من عمره بعد، فعشق الصغير حياة التُقى والإيمان، وتتبع في بدايات مسيرته خُطى معلّمه الصوفي (سهل التستري)، وبعد بلوغه العشرين من العمر انتقل إلى مدينة البصرة، وهناك أخذ مبادئ التصوّف من (عمرو المكّي).

 اقترن الحلاج من ابنة أحد تلاميذه وهي أمّ الحسين، وأنجب منها أربعة أبناء، ولم يعرف في حياته امرأة غيرها.
تعرّف الحلاج على (الجنيد)  الّذي ألبسه رداء الصوفيّة (الخرقة)، وأقام بعدها في مكّة عاماً كاملاً إبان حجته الأولى، وبعد عودته إلى البصرة خلع عن نفسه رداء الصوفيّة بعد اختلافه مع الجنيد، وطفق بين الناس يعظهم بأصول الدين، في محاولةٍ منه بأن يعلّم كل امرئٍ بأن يجد الله في أعماق ذاته، رحل الحلاج بعدها إلى مدينة خراسان التي أقام فيها لمدّة خمسة أعوام، داعياً النّاس إلى الزُّهد، وعاد بعدها إلى مدينة بغداد ليستقرّ فيها مع عائلته.
ازداد أعداء الحلّاج وخاصّة المحيطين به، حيث أخذوا عليه قوله أنه "مع الذّات الإلهيّة في اتحاد"، ليثيروا عليه فقهاء ذاك الزمان، إذ حكموا عليه  بالإعدام، الّذي أنقذه منه القاضي (ابن سُريج)، وذلك لدرايته التّامة بالمتصوّفة وأحوالهم وكلّ ما كانوا يتفوّهون به، وكان يعلم بأنه لا سلطان على المتصوّفين في لحظات تصوّفهم، لأنها لحظاتٌ عرفانيّة استثنائيّة – كما كان يقول – تُعرف لدى أواسط المتصوفين بـ(الوعي الإلهي)، ولم يُطلِق حكمه بتكفير الحلاج على الرغم من أنّه كان يردد بين النّاس "أنا الحقّ".
كان الحلّاج يرى بأنّ التصوّف هو جهادٌ متواصلٌ للنّفس، عن طريق الابتعاد عن متاع الدنيا، وتهذيب الذّات من خلال السّهر والجوع، وتحمّل كافة العذابات، وبثّ روح التمرّد والثورة ضدّ الطُغيان والظُلم ومُجاهدةِ أهل الجّور، وكان اتصاله بالقرامطة والزنوج في عصره دليلاً على هذا الأمر، حيث أنّ هذا التواصل هو أحد الحركات الثوريّة التي كانت تُعرف في عصره.
تولّى بعض الأمراء الحُكم تحت قيادة الحلّاج الروحيّة، فكتب إليهم الحلّاج عدداً من الرسائل يعلّمهم فيها الأخلاق السياسيّة، لكنّ أعداء هؤلاء الأمراء قد تغلّبوا عليهم وألقوا القبض على الحلّاج، واستمرّت محاكمته لفترة امتدّت حتى وصلت لتسعة أعوامٍ قضاها في السجن واعظاً للسجناء هناك، ومُحرّراً لبعض كتاباته، وقد أُخذ عليه في تلك الفترة قوله بتقديس الولاة التي اعتبروها ضرباً من ضروب الشِّرك، إضافةً للعديد من أقواله الّتي حملوها محمل التجديف.
أصدر القاضي (أبو عمر المالكي) بوضع حدٍّ لحياة الحلاج، وقد أمر الخليفة وقتها بتنفيذ الحكم عن طريق قطع يديه ورجليه من خلاف، ومن ثمّ قطع عنقه وحرق جثمانه، وجاء يوم تنفيذ الحُكم في 26 آذار 922م، حيث أُخرج الحلّاج يومها من مُعتقله، وجُلد بقسوةٍ شديدة، ومن ثمّ صُلِب وهو مازال على قيد الحياة، وبقي مصلوباً حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وفي اليوم التّالي تمّ قطعُ رأسه وإحراق جسده، ونثر رمادهِ في نهر دجلة، وقد قيل بأنّ بعض تلاميذ الحلّاج قد احتفظوا برأسه.
مات الحلّاج والتهمة كانت أنه قد عشق الله بطريقة لا يفقهها ولاة الدّين الجهلة، أو بالأحرى لا يريدون هذا الأمر، فالعقل والحُكم من وجهة نظرهم هو حدّ السيف ليكون عبرة لغيره عبر التاريخ، مات الحلاج روحاً وتناثر رماد جسده في نهر دجلة الّذي ما يزال إلى يومنا هذا يحكي قصّة الحلاج في جريانه لتخلّد ذكراه أبداً، ويمحي النهر بمياهه ذكرى الجلادين ونجسهم.

بقلم

غادة حلايقة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

INSTAGRAM FEED

@gh330kam